تاريخية النص الديني
DOI:
https://doi.org/10.56924/tasnim.18.2026/1الملخص
تفكيك المصطلحات من جملة الأطر الاجتهادية التي توفر سعة للشريعة وقدرتها على تغطية الوقائع المستجدة والاستجابة لها هي تاريخية بعض النصوص والأحكام، ولكي تتجلى الفكرة أكثر لا بدَّ من التمييز بين نوعين من التاريخية: الأوّل: التاريخية المعرفية، يُقصد بها إنّ القارئ للنص يدرس مدلولاته في ضوء المعطيات التاريخية والبعد التاريخي، فتكون له صورة توضّح مدلول النص ومعطياته واهدافه، سواء أكانت تلك الصورة تجعل النص ممتداً عبر المراحل الزمنية أم يكون النص مقيداً بالصورة التاريخية. ولتوضيح التاريخية المعرفية نستعين بما نقله الحر العاملي (العاملي، 2002: 224 الفائدة 51) من أنّ فقيهاً شيعياً كتب بحثاً في تحريم القهوة، واستند في ذلك لروايات ناهية عنها، ولكن اتضح بعد ذلك الخطأ الجسيم الذي ارتكبه؛ فإنه في الزمن السابق تطلق كلمة (القهوة) على الخمر فأفتى بحرّمة شربها؛ لأن الصورة التاريخية لهذه الكلمة لم يعلم بانطباقها على الخمر، بل لعلّه في زماننا هذه القهوة لا وجود لها في ذلك الوقت. وهذه التاريخية المعرفية لا علاقة لها ببحث تاريخية النص (حب الله، 2011: 665). الثاني: التاريخية الواقعية، يُقصد بها أنّ النص التشريعي يُقرأ على أساس التاريخية، فيبقى النص محاطاً بعنصر الزمان والمكان وليس له امتداد مرحلي أكبر مما ورد فيه، مما يعني أن يطرأ على الحكم السابق تبديل، أو بعض التعديل فلا تشترك كلّ الاجيال في الحكم الصادر أوّلاً وإنما لكلّ جيل حكمه الخاص به (الطعان، 2007: 332). ولكي تتضح الصورة أكثر نقدم أنموذجاً مشهوراً وهو أنصبة الزكاة؛ إذ النصوص التشريعية (العاملي، 2008: 9/10) أوجبت الزكاة في الاصناف التسعة المعروفة، وهي الغلات الاربع والانعام الثلاثة والنقدين المسكوكين بسكة المعاملة، ومن الواضح أنّ الغرض من تشريع الزكاة حسب ما صرّحت به الروايات (العاملي، 2008: 9/10) هو لسد احتياجات الفقراء، فالنصوص لابد أن تقرأ قراءة تاريخية بمعنى أنَّ الشارع أوجب الزكاة في الاصناف المعروفة من أجل أنها تشكّل عاملاً اقتصادياً للمجتمع آنذاك فيمكن من خلالها سد الحاجة، ويلزم من ذلك أنّ هذه الاصناف إذا كانت لا تسد الحاجة في وقتنا الحاضر، بل بلغت من الضآلة بدرجة لا تشكّل عاملاً رئيسياً لسد الاحتياج كالزبيب، واعيان النقدين، أي: المسكوكات فإنها غير موجودة اليوم أو سقط التعامل بها واستبدلت بأوراق نقدية، لا سيّما إذا ضممنا مسألة الحول ومسألة السوم، كلّ ذلك يجعل أنّ مسالة تشريع الزكاة بلا طائل، فعلى هذا الاساس يتضح أنّ ملاك وروح تشريع تلك الاصناف هو لأنها تشكّل عاملاً مؤثراً في حياة المجتمع آنذاك، فإذا ارتفع هذا العامل الاقتصادي فلا تسقط الزكاة بلحاظها وإنما علينا توسّعة المصاديق إلى ما يسدّ رمق الفقراء.
التنزيلات
التنزيلات
منشور
كيفية الاقتباس
إصدار
القسم
الرخصة
الحقوق الفكرية (c) 2026 مجلة تسنيم الدولية للعلوم الانسانية والاجتماعية والقانونية

هذا العمل مرخص بموجب Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License.
